“عائشة المتمردة” كتاب في قلب النقاش في البرلمان الدنماركي يفتح ملف الرقابة الاجتماعية السلبية وتأثيرها على النساء في بيئات المهاجرين
يستعد البرلمان الدنماركي لفتح نقاش حول ظاهرة الرقابة الاجتماعية السلبية، المعروفة في الدنمارك باسم «Negativ social kontrol»، وهي قضية ترتبط بحق الأفراد في اتخاذ قراراتهم الشخصية بحرية، وتثير تساؤلات حول حماية النساء والفتيات من الضغوط الأسرية والاجتماعية التي قد تقيد اختياراتهن في الحياة.
وأعلنت لجنة الشؤون القانونية في البرلمان الدنماركي Retsudvalget تنظيم جلسة استماع مفتوحة حول هذه القضية خلال الشهر المقبل، بهدف تسليط الضوء على التحديات المرتبطة بها، واستعراض الحلول الممكنة لحماية المتضررين وتعزيز جهود الوقاية والتدخل المبكر.
وتأتي الجلسة استناداً إلى كتاب «عائشة المتمردة – امرأة داخل عشيرة» Aisha Rebel – Kvinde i en klan، للكاتبة بيرغيت وولف Birgitte Wulff، وإلى كتاب آخر بعنوان «عائشة» Aisha، صدر في أغسطس الماضي. ويسعى البرلمان من خلال هذه الجلسة إلى الجمع بين الروايات الشخصية والإطار القانوني والتجارب المهنية في التعامل مع حالات الرقابة الاجتماعية السلبية.
ما المقصود بالرقابة الاجتماعية السلبية؟
يشير مصطلح الرقابة الاجتماعية السلبية في السياق الدنماركي إلى أشكال من الضغط أو السيطرة التي يمارسها أفراد الأسرة أو المحيط الاجتماعي على شخص ما، بهدف فرض قواعد محددة على سلوكه وخياراته، بما قد يحد من حريته واستقلاليته.
وقد تتعلق هذه الضغوط باختيار الشريك أو الزواج أو العلاقات الاجتماعية أو التعليم والعمل أو طريقة اللباس، أو التنقل أو المشاركة في الحياة العامة. وفي بعض الحالات، قد تتجاوز الضغوط النصائح والتوقعات الأسرية إلى التهديد أو العزل أو الإكراه أو غيرها من الممارسات التي تمس حقوق الفرد وسلامته، وذلك من منظور اصطلاحي.
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في النقاش الدنماركي المتعلق بالاندماج وحقوق المرأة، كما تمس بعض المهاجرين المسلمين بصورة مباشرة، نظراً إلى حضورها في النقاشات العامة المتعلقة بالأسرة والزواج والاستقلالية الفردية. ومع ذلك فإن الظاهرة قد لا تكون محصورة في دين أو جنسية أو مجموعة ثقافية بعينها.
كتاب «عائشة المتمردة» في صلب النقاش البرلماني
واختارت لجنة الشؤون القانونية كتاب «Aisha Rebel – Kvinde i en klan» للكاتبة بيرغيت وولف، إلى جانب كتاب «Aisha»، نقطة انطلاق لجلسة الاستماع، ويعكس هذا الاختيار رغبة اللجنة في تناول القضية من خلال روايات وتجارب شخصية، بدلاً من الاكتفاء بمناقشة القوانين والسياسات العامة.
ويحمل عنوان الكتاب الأول دلالة على الصراع بين استقلالية المرأة والضغوط التي قد يفرضها عليها محيطها الاجتماعي. فكلمة «المتمردة» تشير إلى رفض الخضوع للتوقعات المفروضة، بينما تحيل عبارة «امرأة داخل عشيرة» إلى تأثير الجماعة والعلاقات العائلية في حياة الفرد وقراراته.
ومن خلال وضع هذه الأعمال في مركز النقاش، يريد البرلمان إلقاء الضوء على الكيفية التي يمكن أن تتحول بها الروابط الأسرية والاجتماعية إلى أدوات للسيطرة، وعلى الصعوبات التي قد تواجهها النساء عندما يحاولن اتخاذ قرارات مستقلة أو الخروج عن القواعد التي يفرضها محيطهن.
وتكمن أهمية الاستناد إليهما في فتح النقاش حول التجارب الشخصية والتحديات التي قد لا تظهر بوضوح في النصوص القانونية والإحصاءات وحدها.
شهادة امرأة عراقية نشأت في الدنمارك
وتتضح أبعاد القضية بصورة أكبر عند الاطلاع على المعلومات المنشورة عن الكتاب، فالشخصية التي تحمل اسم «عائشة» تستخدم اسماً مستعاراً لحماية هويتها، وهي امرأة ولدت في العراق نحو عام 1998 ونشأت في الدنمارك. وتروي شهادتها، كما يوضح الناشر، تجربة حياة اتسمت بالعنف والسيطرة الاجتماعية، ومحاولتها الانفصال عن أسرتها العنيفة وزوجها السابق.
وبحسب المعلومات المنشورة عن الكتاب، أمضت عائشة نحو ثلاث سنوات في مركز للأزمات مع ابنتها، بعدما اضطرت إلى الفرار طلباً للحماية، وتعيش حالياً في مكان سري تحت حماية الشرطة، حفاظاً على سلامتها وسلامة ابنتها.
ويعرض الكتاب الصادر عن دار النشر الدنماركية Grønningen 1 في أغسطس 2026، شهادة شخصية عن العنف الجسدي والنفسي والزواج القسري والخضوع المفروض على النساء، والصراع من أجل التحرر من القيود الأسرية. ويتناول كذلك الثمن الذي قد تدفعه المرأة عندما تقرر الخروج عن القواعد المفروضة عليها والدفاع عن حقها في تقرير مصيرها.
والكتاب من تأليف الصحفية والكاتبة الدنماركية بيرغيت وولف، التي عملت سابقاً في مؤسسات إعلامية من بينها Ekstra Bladet وDR، ولها خبرة في كتابة السير والقصص المستندة إلى تجارب حقيقية. ويقع الكتاب في 403 صفحات، ويقدم رواية عائشة من خلال شهادة شخصية تضع القارئ أمام تفاصيل الحياة اليومية لامرأة تقول إنها عانت من السيطرة والعنف، وليس أمام نقاش نظري مجرد حول الاندماج أو حقوق المرأة.
وتبرز أهمية هذه الشهادة من منظور سياسي في أنها تنقل النقاش من مستوى المصطلحات السياسية والاجتماعية إلى تجربة إنسانية تتعلق بالأمان والاستقلالية والقدرة على اتخاذ القرارات الشخصية. كما تطرح أسئلة حول مدى قدرة المؤسسات على اكتشاف حالات السيطرة قبل تفاقمها، وحول الحماية التي تحتاج إليها النساء عندما يقررن مغادرة بيئة يواجهن فيها العنف أو التهديد.
هذا ما سيناقشه البرلمان الدنماركي
وبحسب الإعلان الرسمي للبرلمان، لن تقتصر جلسة الاستماع على عرض التجارب الشخصية، بل ستتناول مجموعة من المحاور العملية المرتبطة بمواجهة الرقابة الاجتماعية السلبية.
ومن المقرر أن تشمل الجلسة عروضاً تستند إلى روايات شخصية، ومناقشة التشريعات المعمول بها في هذا المجال، واستعراض التدخلات والجهود القائمة، إلى جانب بحث دور المختصين في اكتشاف الحالات والوقاية منها والتعامل معها، والسبل الكفيلة بتوفير حماية فعالة للضحايا.
وتعني هذه المحاور أن النقاش سيتناول أيضاً كيفية التعرف على علامات السيطرة، ودور العاملين في المؤسسات المعنية عند الاشتباه في تعرض شخص للضغط أو الإكراه، ومدى فاعلية الإجراءات المتاحة لحماية المتضررين. أما التفاصيل النهائية للبرنامج وأسماء المشاركين، فلم يعلنها البرلمان بعد في البيان المنشور.
مشاركة لجان برلمانية معنية بالهجرة والعمل والمجتمع
وإلى جانب لجنة الشؤون القانونية، دعا البرلمان أربع لجان أخرى إلى المشاركة في جلسة الاستماع، هي لجنة الهجرة والاندماج، ولجنة الشؤون الاجتماعية، ولجنة العمل والمساواة، ولجنة الثقافة والشؤون الكنسية.
القضية تخص المهاجرين المسلمين في الدنمارك بدرجة كبيرة
وتكتسب مشاركة لجنة الهجرة والاندماج أهمية خاصة بالنسبة إلى الدنماركين المسلمين من أصول مهاجرة في الدنمارك، إذ يرتبط الموضوع بالنقاش العام حول التعايش والاندماج وحقوق الأفراد داخل الأسرة والمجتمع. كما أن إشراك لجان الشؤون الاجتماعية والعمل والمساواة يفتح المجال للنظر إلى القضية من زوايا تتجاوز الجانب القانوني، لتشمل الخدمات الاجتماعية والاستقلال الاقتصادي والمساواة بين النساء والرجال.
وتؤثر المناقشات المتعلقة بالرقابة الاجتماعية السلبية في حياة المهاجرين المسلمين، لأنها تتقاطع مع قضايا الأسرة والتربية والزواج وحقوق المرأة والحرية الفردية، وهي موضوعات تحظى باهتمام سياسي وإعلامي في الدنمارك.








