
في حدث نادر في دول الشمال الأوروبي، فجّر الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب ورئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلافاً سياسياً بين قادة دول الشمال الأوروبي، بعدما انتقدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن المبادرة، وحذّر رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترسون من مخاطر إضعاف الموقف الأوروبي الموحد، بينما دافع رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره عن الخطوة، وحتى داخل الدنمارك، أيدت السياسية الدنماركية من حزب Enhedslisten تريته بيرتو ماخ إجراء حوار مع الأطراف التي تختلف معها أوروبا.
ويأتي التصادم في وقت تسعى فيه الأطراف الدولية إلى استئناف المفاوضات بشأن الحرب في أوكرانيا، وسط استمرار الهجمات الروسية الأوكرانية وتباين المواقف الأوروبية بشأن الطريقة الأنسب للتعامل مع موسكو.
ويتمحور الخلاف حول مسارين مختلفين: الأول، تدافع عنه الدنمارك والسويد، ويشدد على ضرورة تنسيق أي تواصل مع روسيا حتى لا تستغل موسكو الاختلافات الأوروبية، والثاني تتبناه النرويج وفنلندا، ويعتبر أن للدول المجاورة لروسيا مصلحة أمنية مباشرة في إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، مع استمرار دعم أوكرانيا.
اتصال استمر 90 دقيقة لبحث إنهاء الحرب
وأعلن المكتب الرئاسي الفنلندي والحكومة النرويجية أن ألكسندر ستوب ويوناس غار ستوره أجريا اتصالاً هاتفياً مع فلاديمير بوتين يوم الثلاثاء 27 أكتوبر 2026، واستمرت المحادثة نحو ساعة ونصف، وجاءت استكمالاً للاجتماع الذي استضافته أوسلو في 20 أكتوبر، بمشاركة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف.
وذكر البيان المشترك أن الاتصال جرى بالتشاور مع أوكرانيا، بهدف نقل رسائل مباشرة إلى بوتين بشأن المفاوضات المقبلة الرامية إلى إنهاء الحرب، في إطار التحضير لاجتماعات مرتقبة في أبوظبي تجمع ممثلين عن روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة.
وأكد ستوب وستوره استمرار دعم بلديهما لأوكرانيا، وشددا على ضرورة إنهاء الحرب واستئناف المفاوضات، مع التأكيد على أن فنلندا والنرويج شاركتا بصفتهما ممثلتين لبلديهما، وليس نيابة عن أوروبا بأكملها.
ووصف رئيس الوزراء الفنلندي المحادثة بأنها «صريحة وغنية بالمضمون»، مشيراً إلى أن نتيجة الحرب ستؤثر مباشرة في أمن بلاده وأمن أوروبا عموماً، وأن إنهاء الحرب يتطلب إجراء محادثات مباشرة. أما رئيس الوزراء النرويجي فشدد على أن الحرب تخلّف خسائر بشرية ومادية هائلة، وأن آثار المعاناة والدمار ستستمر عبر أجيال، مؤكداً أهمية خفض التصعيد.
رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن: لماذا يتصرف البلدان منفردين؟
أبدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن شكوكاً شديدة بشأن المبادرة النرويجية الفنلندية، وقالت في تصريحات نقلها TV2 إنها لم تُنسّق مع بقية الأطراف الأوروبية، الأمر الذي أكدت النرويج عكسه لاحقاً.
وأضافت ميته فريدريكسن أنها لا ترى أي مؤشرات على أن روسيا تريد السلام مع أوروبا، سواء في ظل ما وصفته بالحرب الهجينة المستمرة يومياً، أو الهجمات الروسية العنيفة والمتواصلة على أوكرانيا وما تخلّفه من خسائر بشرية.
وقالت فريدريكسن: «أعتقد أنه ينبغي الحفاظ على وحدة أوروبا بدلاً من أن يتصرف كل طرف بمفرده».
وأوضحت أنها لا تعرف ما الذي يتوقع البلدان تحقيقه من الاتصال، مشيرة إلى أن الأوروبيين شددوا في مناسبات سابقة على ضرورة توحيد موقفهم عندما تتخذ دول مبادرات منفردة، مثل السفر إلى موسكو.
وأكدت رئيسة الوزراء الدنماركية أنها لا تزال متمسكة بموقفها الرافض للمبادرة، معتبرة أن على الأوروبيين التحدث بصوت واحد والدفاع عن أنفسهم في مواجهة روسيا، التي ترى أنها لا تُظهر رغبة حقيقية في السلام.
ستوره يرد: حلفاؤنا كانوا على علم مسبق
ورفض رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره انتقادات فريدريكسن، وقال إن الاتحاد الأوروبي لم يمتلك خلال السنوات الأربع الماضية رسالة مشتركة أو نهجاً موحداً تجاه روسيا.
وأوضح وفقاً لما نقلته وسائل إعلام نرويجية، أن الاتصال لم يكن محاولة للتحدث باسم أوروبا، بل جاء بصفتهما قائدين لبلديهما، مؤكداً أن الشركاء والحلفاء أُبلغوا مسبقاً بالمبادرة، وتلقوا إحاطة مفصلة بعدها.
وقال ستوره إن من حق الآخرين الاعتقاد بأن التواصل الأميركي مع موسكو يجب أن يكون القناة الوحيدة للمحادثات المتعلقة بأوكرانيا، لكنه يرى أن من المهم أيضاً أن تصل أصوات أخرى إلى روسيا.
وشدد على أن النرويج تقف إلى جانب أوكرانيا وتدافع عن حقها في حماية نفسها، وأن الهدف يتمثل في إيجاد مسار دبلوماسي يؤدي إلى سلام دائم وعادل، مع الإقرار باستمرار وجود اختلافات كبيرة في المواقف.
كريسترسون ينضم إلى الانتقادات ويحذر من انقسام أوروبا
كما أعلن رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترسون دعمه لموقف فريدريكسن، معرباً عن تحفظه على الاتصال الذي أجراه ستوب وستوره مع بوتين.
وقال كريسترسون لصحيفة داغنز نيهيتر السويدية إن إجراء محادثات قد تؤدي إلى انقسام الصوت الأوروبي أمر محفوف بالمخاطر، لكنه أوضح أنه لا يجزم بأن الاتصال الأخير حقق هذه النتيجة، لأنه لا يعرف بعد تفاصيل ما دار خلاله.
وأضاف أن توقعاته بشأن هذا النوع من المحادثات منخفضة، مؤكداً أن الجميع يريد السلام باستثناء بوتين، بحسب ما نقلته قناة TV2.
وبذلك فقد برز خلاف بين الدنمارك والسويد من جهة، والنرويج وفنلندا من جهة أخرى، بشأن ما إذا كان التواصل المباشر مع موسكو يخدم الجهود الدبلوماسية أم يضعف وحدة الموقف الأوروبي.
السياسية من حزب Enhedslisten ترينه بيرتو ماخ تدافع عن الحوار مع بوتين
وفي المقابل، أعلنت تريته بيرتو ماخ Trine Pertou Mach عضوة البرلمان الدنماركي ولجنة السياسة الخارجية عن حزب القائمة الموحدة Enhedslisten، أعلنت دعمها الكامل للمبادرة النرويجية الفنلندية، وفقاً لتصريحات نقلتها TV2.
وقالت ترينه ماخ إنها تستغرب سرعة توجيه الانتقادات إلى دولتين مجاورتين بسبب الخطوة التي اتخذتاها، مضيفة أنها ترى أهمية في الحوار مع الأطراف التي تختلف معها أوروبا.
وأكدت السياسية الدنماركية أن رئيس الوزراء النرويجي والرئيس الفنلندي تحركا، بحسب تقديرها، بما يتوافق تماماً مع ما يريده الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
وأضافت: «لدي ثقة كاملة بأن هذا الاجتماع جرى وفقاً للمبادئ الأساسية نفسها التي تتبناها الدنمارك وأوروبا».
ويعكس موقف ماخ اتجاهاً يرى أن التواصل المباشر مع الخصم لا يعني التخلي عن دعم أوكرانيا، بل يمكن أن يشكل أداة دبلوماسية موازية للضغط السياسي والعسكري.
أوسلو وهلسنكي تؤكدان استمرار دعم أوكرانيا
وبدوره أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي امتنانه للنرويج وفنلندا على جهودهما الدبلوماسية، عقب الاتصال ببوتين، وقال إن ألكسندر ستوب ويوناس غار ستوره أوضحا للزعيم الروسي ضرورة اتخاذ خطوات فعلية لخفض التصعيد، خصوصاً فيما يتعلق بالبنية التحتية والطاقة في أوكرانيا.
وأكد زيلينسكي أن البلدين، بحكم حدودهما المشتركة مع روسيا، لديهما مصلحة خاصة في إقامة ترتيبات أمنية موثوقة ومستقرة.
وفي المقابل، نقلت وكالة الأنباء الروسية الرسمية تاس عن الجانب الروسي أن بوتين شدد على أن تحقيق سلام عادل وطويل الأمد في أوكرانيا يتطلب مراعاة المصالح الروسية، واتهم سياسات حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي بإطالة أمد الصراع.
وتشير هذه المواقف إلى أن الاتصال لم ينهِ الخلافات الجوهرية بشأن شروط السلام، لكنه فتح قناة مباشرة جديدة قبل المفاوضات المرتقبة في أبوظبي.
صحيفة نرويجية تهاجم فريدريكسن بعبارة حادة
وامتد الخلاف إلى الصحافة النرويجية، إذ وجّه كيتيل بي. ألستادهايم، المحرر السياسي في صحيفة أفتنبوستن Aftenposten انتقادات حادة إلى فريدريكسن في تعليق حمل عنواناً استفزازياً هو «اصمتي يا ميته!».
وكتب ألستادهايم أن رئيسة الوزراء الدنماركية تتسرع أحياناً في إطلاق التصريحات، معتبراً أن موقفها الأخير ينتمي إلى هذه الفئة. وأضاف أن فريدريكسن، إذا كانت حريصة فعلاً على الحفاظ على وحدة أوروبا، فإنها لم تسهم في تحقيق ذلك من خلال رد فعلها.
ويبرز هذا الانتقاد جانباً آخر من الأزمة، إذ لم يعد الخلاف مقتصراً على تقييم جدوى الاتصال ببوتين، بل امتد إلى طريقة تعامل القادة مع بعضهم البعض، في وقت تحتاج فيه الدول الأوروبية إلى تنسيق مواقفها بشأن مستقبل الحرب وأمن القارة.
خلاف استراتيجي يختبر وحدة دول الشمال
ونقلت الصحافة الأوروبية عن محللين أن الخلاف الحالي يمثل تطوراً لافتاً في العلاقات بين دول الشمال الأوروبي، التي حافظت على تقارب سياسي وأمني واسع منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022، وانضمت فنلندا والسويد خلال الحرب إلى حلف شمال الأطلسي.