أسعار الطاقة تقفز مجدداً مع اقتراب النفط من 110 دولارات وامتداد تأثيرها إلى السيارات الكهربائية وسط مخاوف من حرب شاملة في الشرق الأوسط
شهدت أسعار الوقود قفزة أخرى لليوم الثاني على التوالي، حيث اقترب سعر خام برنت، ليل الجمعة من مستوى 110 دولارات للبرميل، بعدما بلغ 109.97 دولاراً، وهو أعلى مستوى يسجله النفط خلال أربعة أشهر، قبل أن يتراجع لاحقاً إلى نحو 107 دولارات. وارتفع سعر خام بحر الشمال بنحو 11% خلال أسبوع واحد، وسط تصاعد المخاوف من اتساع رقعة الحرب في الشرق الأوسط وتحولها إلى حرب شاملة. وذكر تقرير لموقع TV 2 أن هذه القفزة قد تكون مرتبطة خصوصاً بالمخاوف من اندلاع حرب شاملة بين الحوثيين في اليمن والسعودية، إلى جانب استمرار الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.
وتأتي هذه الزيادة في أسعار الطاقة بعد القفزة التي شهدها سعر البنزين يوم أمس الخميس، فيما واصلت أسعار الوقود والغاز ارتفاعها تحت تأثير اضطرابات أسواق الطاقة المرتبطة بالحرب والتوترات الجيوسياسية. وأظهرت بيانات حديثة من FDM أن أسعار البنزين والديزل في الدنمارك ارتفعت بشكل كبير منذ بدء الحرب في إيران، وأن استمرار الأسعار عند مستوياتها الحالية قد يضيف آلاف الكرونات إلى نفقات الأسر خلال العام.
النفط يقترب من أعلى مستوياته في أربعة أشهر
وأظهر تحرك خام برنت خلال الساعات الأخيرة مدى سرعة تأثر سوق النفط بالتطورات العسكرية. فقد تجاوز السعر لفترة قصيرة مستوى 109 دولارات، قبل أن يتراجع إلى نحو 107 دولارات للبرميل، لكنه ظل مرتفعاً بما يكفي لدفع مكاسب الخام خلال الأسبوع إلى نحو 11%.
ويرى تقرير TV 2 أن التطورات في الشرق الأوسط تمثل العامل الأساسي وراء الارتفاع، مع تزايد المخاوف من توسع المواجهات وتحولها إلى حرب واسعة النطاق. ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه الحرب بين الولايات المتحدة وإيران تضغط على الأسواق، بالتزامن مع المخاوف المتعلقة باليمن والسعودية.
الديزل يسجل أعلى سعر في تاريخه
وتأتي هذه التطورات بعد وصول سعر الديزل في الدنمارك إلى مستوى قياسي جديد. ووفقاً لحسابات منظمة FDM (اتحاد أصحاب السيارات الدنماركيين)، بلغ سعر لتر الديزل 18.49 كرونة في محطات الوقود غير المأهولة و18.59 كرونة في المحطات المأهولة، وهو أعلى سعر يدفعه سائقو سيارات الديزل عند المضخة على الإطلاق.
وقال الخبير الاقتصادي لشؤون المستهلكين في FDM، إيلياس دوغرو Ilyas Dogru، إن هذا المستوى يمثل أعلى سعر اسمي وصل إليه الديزل، بينما يصبح المستوى الأعلى منذ 2022 عند احتساب التضخم والتغيرات في الضرائب والرسوم.
وأوضح دوغرو أن البنزين والديزل يعيشان حالياً مسارين مختلفين في السوق، إذ تراجع سعر البنزين في اليوم نفسه بمقدار 40 أوره، بينما واصل الديزل الارتفاع.
الطلب على الديزل يواجه سوقاً أكثر ضيقاً
وأرجع دوغرو الاختلاف بين الوقودين إلى أن سوق الديزل أكثر ضيقاً، بسبب انخفاض المخزونات وتعرض قدرات التكرير لضغوط، إضافة إلى أن حالة عدم اليقين في الشرق الأوسط تضرب سوق الوقود المكرر مباشرة.
وبحسب تقييم FDM، فإن هذه العوامل يمكن أن تدفع سعر الديزل إلى الارتفاع حتى في الوقت الذي يتراجع فيه سعر النفط الخام، لأن السوق لا يعتمد فقط على سعر الخام وإنما أيضاً على توافر المنتجات النفطية المكررة وقدرة المصافي على تلبية الطلب.
وكانت FDM قد حذرت في وقت سابق من أن ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بالحرب في الشرق الأوسط بدأ ينعكس بصورة واضحة على ميزانيات الأسر الدنماركية. وتشير حساباتها إلى أن الأسرة التي تستخدم سيارة تعمل بالبنزين أو الديزل لمسافات طويلة يمكن أن تواجه آلاف الكرونات من النفقات الإضافية إذا استمرت الأسعار الحالية.
الغاز الأوروبي يدخل منطقة قياسية جديدة
ولم يقتصر الضغط على النفط والوقود، إذ واصلت أسعار الغاز الطبيعي الأوروبية الارتفاع أيضاً. وبلغ سعر ميغاواط/ساعة من الغاز في السوق الأوروبية نحو 82 يورو وفق بيانات TV 2 الواردة في التقرير، وهو مستوى يتجاوز بكثير السعر المسجل قبل عام، عندما كان يبلغ نحو 30 يورو، كما يتجاوز مستويات الأسعار التي شهدتها أوروبا منذ أزمة الطاقة في 2022.
وتؤكد بيانات السوق الأوروبية الحديثة أن أسعار الغاز تجاوزت بالفعل حاجز 70 يورو لكل ميغاواط/ساعة في مطلع سبتمبر، فيما اقتربت المخزونات الأوروبية من 65%، مقابل متوسط يقارب 82% في السنوات السابقة، ما يزيد حساسية السوق لأي اضطراب جديد في الإمدادات مع اقتراب فصل الشتاء.
الحرب في أوكرانيا تضيف ضغطاً جديداً على سوق الغاز
وبحسب ما نقلته TV 2 عن صحيفة وول ستريت جورنال، برزت الحرب في أوكرانيا مجدداً كعامل إضافي يضغط على سوق الغاز، بعدما نفذت أوكرانيا هجوماً بطائرات مسيرة استهدف حقل غاز في سيبيريا.
ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه أوروبا بالفعل سوقاً أكثر حساسية بسبب اضطراب إمدادات الغاز الطبيعي المسال من منطقة الخليج، وانخفاض مستويات التخزين مقارنة بالمعتاد، وهو ما يجعل أي تطور عسكري أو تعطّل في الإمدادات قادراً على دفع الأسعار إلى مستويات أعلى.
ارتفاع الطاقة يهدد بتغذية التضخم
ولا تقتصر تداعيات ارتفاع النفط والغاز على تكلفة ملء خزان السيارة أو فواتير الطاقة، إذ يمكن أن تنتقل الزيادة إلى قطاعات واسعة من الاقتصاد. فارتفاع أسعار النفط يرفع تكاليف النقل والإنتاج، بينما يؤثر الغاز بصورة مباشرة في الصناعات التي تعتمد عليه وفي تكلفة الكهرباء خلال الفترات التي تحتاج فيها منظومة الطاقة الأوروبية إلى مزيد من الغاز.
وحذرت تحليلات حديثة من أن استمرار أسعار الغاز عند مستويات مرتفعة لفترة طويلة يمكن أن يضغط خصوصاً على قطاعات مثل الصناعات الكيميائية والأسمدة والمعادن ومواد البناء.
أسعار الوقود أصبحت عبئاً متزايداً على السائقين
وتوضح FDM أن أسعار البنزين والديزل أصبحت أعلى بكثير مما كانت عليه قبل أشهر، بعدما أدت الحرب والهجمات على إيران إلى ارتفاع أسعار النفط ثم انعكس ذلك على أسعار الوقود في محطات التعبئة الدنماركية. وتقدر المنظمة أن السائقين الذين يقطعون نحو 20 ألف كيلومتر سنوياً أو أكثر قد يواجهون زيادة تتراوح بين 4 آلاف و5 آلاف كرونة في نفقات الوقود إذا استقر مستوى الأسعار الحالي.
وفي محاولة للتخفيف من أثر ارتفاع تكاليف التنقل، رفعت الحكومة الدنماركية بدل التنقل والخصم الضريبي المرتبط بالذهاب إلى العمل لعام 2026. وتقول FDM إن الزيادة يمكن أن توفر للعديد من المستفيدين ما بين نحو 1000 و3000 كرونة، بحسب المسافة ومكان الإقامة.
السيارات الكهربائية تواجه تأثيرات أزمة الطاقة أيضاً
ولا يعني ارتفاع أسعار البنزين والديزل أن السيارات الكهربائية محصنة تماماً من تداعيات أزمة الطاقة. فقد أشارت FDM إلى أن سائقي السيارات الكهربائية استفادوا خلال الصيف من وفرة الرياح والطاقة الشمسية، التي ساعدت على إبقاء أسعار الكهرباء منخفضة خلال ساعات عديدة، لكن اعتماد منظومة الكهرباء الأوروبية أيضاً على الغاز الطبيعي يجعل الصورة أكثر تعقيداً مع اقتراب الشتاء.
وتتوقع FDM أن تصبح تكلفة شحن السيارات الكهربائية في بعض الفترات أكثر حساسية لأسعار الغاز، خصوصاً عندما لا توفر الرياح والشمس كمية كافية من الكهرباء. كما تبدأ تعريفات الشبكة الشتوية في الدنمارك بالارتفاع اعتباراً من أكتوبر، ما قد يجعل توقيت شحن السيارة أكثر أهمية بالنسبة للمستهلكين.
الأسواق تترقب ما ستفعله الحرب بأسعار الطاقة
ويأتي هذا التصعيد في أسعار الطاقة في وقت تواجه فيه الأسواق الأوروبية مزيجاً من العوامل الضاغطة: ارتفاع النفط، وارتفاع الغاز، وتراجع مستويات التخزين، وعدم اليقين بشأن إمدادات الغاز الطبيعي المسال، إلى جانب استمرار الحرب والتوترات في الشرق الأوسط والحرب في أوكرانيا.
ومع اقتراب موسم الشتاء، تصبح قدرة أوروبا على تأمين مخزون كافٍ من الغاز عاملاً حاسماً في تحديد اتجاه الأسعار. وتشير تحليلات سوقية حديثة إلى أن بقاء اضطرابات الإمدادات المرتبطة بمنطقة الخليج قد يبقي أسعار الغاز فوق مستوياتها المعتادة، بينما يمكن أن يؤدي أي انفراج في طرق الإمداد إلى تخفيف الضغط على السوق.
وتكشف القفزة الأخيرة في أسعار النفط والديزل والغاز أن تطورات الحرب لم تعد قضية جيوسياسية بعيدة عن الحياة اليومية، بل بدأت تنعكس بصورة مباشرة على تكلفة التنقل والتدفئة والكهرباء والإنتاج، فيما يبقى اتجاه أسعار الطاقة خلال الفترة المقبلة مرتبطاً بدرجة كبيرة بمسار الحرب واحتمالات توسعها أو احتوائها.








