بعد افتتاح البرلمان الدنماركي قادة الأحزاب في مناظرة مباشرة حول الاقتصاد والهجرة والزراعة وأولويات المرحلة المقبلة
بعد مراسم افتتاح العام البرلماني الجديد في الدنمارك، انتقل المشهد السياسي مساء أمس الثلاثاء إلى مناظرة مباشرة جمعت عدداً من قادة الأحزاب في كريستيانسبورغ، حيث ناقشوا أبرز الملفات التي ستطبع الحياة السياسية خلال الخريف، وفي مقدمتها الاقتصاد والضرائب والهجرة والزراعة ومستقبل دولة الرفاه.
وبث التلفزيون الدنماركي المناظرة مباشرة من البرلمان، فيما غابت عنها رئيسة الوزراء ميته فريدريكسن ورئيس حزب المعتدلين ووزير الخارجية لارس لوكه راسموسن، اللذان ظهرا في مقابلات وتصريحات منفصلة خلال اليوم.
وجاءت المناظرة في ختام يوم سياسي حافل شهد افتتاح العام البرلماني بحضور العائلة المالكة، وانتخاب قيادة جديدة للبرلمان، قبل أن تنتقل الأحزاب إلى مواجهة سياسية مباشرة حول أولويات المرحلة المقبلة. اكمل القراءة بعد الإعلان

الاقتصاد والضرائب في مقدمة المواجهة
احتل الاقتصاد والسياسة الضريبية جانباً مهماً من النقاش، وسط اختلافات بين قادة الأحزاب حول الإنفاق العام والإصلاحات الضريبية واتجاه الاقتصاد الدنماركي.
وقالت رئيسة حزب الشعب الاشتراكي بيا أولسن دير إن الحكومة لا تستطيع التعامل مع أموال الدولة وكأنها موارد لا تنفد، مؤكدة أن أي إنفاق جديد يجب أن يقابله توفير التمويل اللازم له.
وفي المقابل، أعرب رئيس حزب فينستره ترويلس لوند بولسن عن قلقه من احتمال أن تؤدي الإصلاحات الضريبية المقبلة إلى زيادات ضريبية تطال أصحاب الدخول المنخفضة.
أما رئيس التحالف الليبرالي أليكس فانوبسلاو، فانتقد فكرة أن تحدد الحكومة القطاعات التي ستوفر وظائف المستقبل، معتبراً أن السياسيين لم يثبتوا تاريخياً أنهم الأفضل في اختيار الصناعات التي ينبغي أن تقود الاقتصاد.
وفي خلفية هذا النقاش، كانت الحكومة تستعد لطرح حزمة اقتصادية تتضمن إجراءات لدعم الشركات ورواد الأعمال، وخفض ضريبة الشركات بثلاث نقاط مئوية على مدى ثلاث سنوات، إلى جانب تقليل البيروقراطية وزيادة الاستثمار في البحث العلمي.
الزراعة والتحول الأخضر يفتحان جبهة جديدة
كما كانت الزراعة والتحول الأخضر من أبرز الملفات التي شهدت اختلافاً بين الأحزاب.
وقالت رئيسة حزب البديل فرانسيسكا روسنكيلده إن جميع الأحزاب تريد مستقبلاً لقطاع زراعي قادر على إنتاج الغذاء الدنماركي، لكنها شددت على ضرورة تحقيق ذلك من دون الإضرار بالطبيعة أو إساءة معاملة الحيوانات.
في المقابل، قالت رئيسة حزب الديمقراطيين الدنماركيين إنغر ستويبرغ إن الاتفاق الأخضر الثلاثي يواجه خطر الانهيار، بينما أعرب ترويلس لوند بولسن عن ارتياحه لما اعتبره تحولاً في موقف حزب الديمقراطيين الدنماركيين باتجاه دعم الاتفاق.
ويؤكد هذا الجدل أن مستقبل الزراعة والتحول الأخضر سيكونان من الملفات الرئيسية على جدول الأعمال السياسي خلال الخريف.
الهجرة تعيد رسم خطوط المواجهة
كان ملف الهجرة حاضراً بقوة في النقاش، حيث ظهرت اختلافات واضحة بين الأحزاب بشأن الهجرة والاندماج ودور الأجانب في المجتمع الدنماركي.
وقال وزير الأعمال والقدرة التنافسية مارتن ليدغورد من الحزب الراديكالي إن الغالبية العظمى من الأجانب يساهمون في المجتمع، في موقف جاء في مواجهة الخطاب السياسي الذي يركز على المشكلات المرتبطة بالهجرة.
وشهد النقاش مواجهة مباشرة بين ليدغورد ورئيس حزب الشعب الدنماركي مورتن ميسرشميت، لتظهر مجدداً المسافة السياسية بين الأحزاب التي ترى الهجرة جزءاً من احتياجات المجتمع والاقتصاد، والأحزاب التي تركز بصورة أكبر على تشديد سياسة الهجرة والاندماج.
زعيم حزب الشعب الدنماركي مورتن ميسرسميت يدعو إلى توحيد الأحزاب اليمينية
ولم تتوقف المواجهات عند الملفات الاقتصادية والاجتماعية، إذ امتدت إلى مستقبل التعاون بين الأحزاب اليمينية.
ودعا مورتن ميسرشميت إلى عقد مؤتمر جديد للأحزاب البرجوازية بهدف صياغة مشروع سياسي مشترك، على غرار المؤتمر الذي عقدته أحزاب يمينية العام الماضي.
لكن رئيسة حزب المحافظين مونا يول رفضت الدعوة في الوقت الحالي، وقالت إن الأحزاب اليمينية تحتاج بعد الانتخابات إلى إعادة تقييم موقعها السياسي وتحديد الاتجاه الذي تريد أن تسلكه، مضيفة أن البلاد لا تحتاج في هذه المرحلة إلى مؤتمر يميني جديد.
ويعكس الخلاف استمرار النقاش داخل المعسكر البرجوازي حول شكل التعاون بين الأحزاب وإمكانية صياغة مشروع سياسي مشترك في المرحلة المقبلة.
الذكاء الاصطناعي يدخل النقاش السياسي
ولم تقتصر المناظرة على الملفات التقليدية، إذ دخل الذكاء الاصطناعي أيضاً في النقاش.
وحذر رئيس حزب المواطنين لارس بوييه ماثيسن من التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مجرد نسخة متطورة من محرك البحث «غوغل»، مشيراً إلى أن هذه التكنولوجيا ستشهد تطوراً سريعاً خلال السنوات المقبلة.
ويأتي هذا النقاش في وقت بات فيه الذكاء الاصطناعي حاضراً في قضايا العمل والتعليم والإعلام، وهي ملفات مرشحة لمزيد من النقاش السياسي خلال المرحلة المقبلة.
أوكرانيا والثقة بالسياسيين
إلى جانب القضايا الداخلية، تطرق النقاش السياسي إلى الحرب في أوكرانيا والعلاقة بين السياسيين والرأي العام.
وقالت رئيسة حزب المحافظين مونا يول إن على السياسيين الوقوف معاً في عدد من القضايا، ومن بينها استمرار دعم أوكرانيا، في وقت أشارت فيه إلى تراجع ثقة المواطنين بالسياسيين.
ويأتي هذا النقاش في ظل استمرار الملفات الأمنية والدولية في التأثير على أجندة الأحزاب الدنماركية، إلى جانب القضايا التي تمس الحياة اليومية للمواطنين.
جدل حول رئيس البرلمان السابق سورن غاده
وبعيداً عن محاور المناظرة الرئيسية، ظل الجدل حول رئيس البرلمان المنتهية ولايته سورن غاده حاضراً بقوة في أروقة كريستيانسبورغ خلال يوم الافتتاح.
وكانت صحيفة ييلاندس-بوستن قد نشرت مقالاً انتقادياً عن غاده استند إلى مصادر مجهلة، قبل أن تعود وتعدل المادة، موضحة أن النسخة الأولى لم تكن متوازنة بما يكفي، وأدخلت إليها أوصافاً وجوانب أخرى تتعلق بشخصيته وعمله وعلاقاته.
ودافع عدد من السياسيين الاشتراكيين الديمقراطيين عن غاده، كما دافعت عنه ميتّه فريدريكسن، التي وصفته بأنه كان رئيساً ممتازاً للبرلمان وزميلاً وصديقاً عزيزاً، وقالت إنها لا تتعرف على الصورة التي قدمها التقرير عنه.
بداية خريف سياسي حافل
وأظهرت المناظرة المباشرة التي أعقبت افتتاح العام البرلماني أن الأحزاب الدنماركية تدخل الخريف السياسي وهي أمام مجموعة واسعة من الملفات الخلافية.
فالاقتصاد والضرائب والإنفاق العام، والهجرة والاندماج، والزراعة والتحول الأخضر، ومستقبل التعاون بين أحزاب اليمين، إضافة إلى الذكاء الاصطناعي والسياسة الخارجية، ستكون جميعها جزءاً من النقاش السياسي خلال الفترة المقبلة.
وبينما تبدأ الحكومة العمل على أجندة الخريف ومشروع قانون المالية، كشفت مناظرة قادة الأحزاب عن اختلافات واضحة في رؤى القوى السياسية بشأن أولويات الدنمارك واتجاهها في المرحلة المقبلة، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة من المواجهة السياسية بعد افتتاح البرلمان.








